سجّل قطاع السلع خلال شهر أغسطس خسارة للشهر الثالث على التوالي، حيث تجاوزت الخسائر الناجمة عن الحروب التجارية والاضطرابات في الأسواق الناشئة عوائد الأرباح التي حققها قطاع الطاقة. وارتفعت أسعار النفط الخام نظراً لظهور مؤشرات على تراجع إنتاج النفط الإيراني نتيجة للعقوبات الأمريكية. ويمكن ربط الكثير من التطورات في أسواق السلع – سواء كانت صعوداً أم هبوطاً – بشكل مباشر مع القرارات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية ومجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خلال الأشهر الماضية.
وساهمت قوة الاقتصاد الأمريكي في زيادة احتمالات قيام المجلس بتشديد سياساته والتي فاقمت بدورها من الضغوط المترتبة على الأسواق الناشئة التي تبذل جهوداً مضنية لسداد ديونها الخارجية المقوّمة بالدولار الأمريكي. ويضاف إلى ذلك كله الحرب التجارية المستمرة بين الصين والولايات المتحدة، والتي يمكن أن تستعر في بداية شهر سبتمبر نتيجة لسياسات الرئيس ترامب والذي أشار إلى أنه يعتزم زيادة الرسوم الجمركية على الواردات الصينية بمقدار 200 مليار دولار أمريكي. ونتيجة لذلك، تتصاعد المخاوف في الأسواق حول مستقبل النمو العالمي ومستويات الطلب على السلع الأساسية خلال الفترة المتبقية حتى عام 2019.
ويشكل ذلك مصدر قلق بالنسبة إلى الصين على وجه التحديد، والتي تعد بمثابة مصدر أساسي للطلب على المعادن الصناعية. ورداً منها على العقوبات الأمريكية، سمحت الصين بتراجع قيمة عملتها مما فاقم الضغوط على أسعار المعادن – ولا سيما الذهب والنحاس -، حيث لوحظ الترابط الوثيق بين هذه الإجراءات وتراجع أسعار المعادن خلال الأشهر القليلة الماضية.
أما على صعيد أسواق الحبوب، فإن موسم الحصاد المتعثر الذي شهدناه خلال فصل الصيف الحالي خارج الولايات المتحدة – والذي وفر دعماً قوياً لأسعار الحبوب خلال شهر يوليو الماضي – اتخذ منحى معاكساً خلال شهر أغسطس نتيجة لوفرة المحاصيل في الولايات المتحدة. ويضاف إلى ذلك الرسوم الجمركية التي فرضتها الصين على واردات فول الصويا الأمريكية والتي ساهمت في تراجع أسعار الحبوب بأكثر من 7% خلال شهر أغسطس الماضي.
ومع بعض الاستثناءات القليلة، استأثر قطاع الطاقة بمعظم المكاسب التي تحققت في شهر أغسطس. وتعافى قطاع النفط الخام من تأثير عمليات البيع الممتدة بين شهر يوليو ومنتصف شهر أغسطس والتي جاءت مدفوعة بالرؤية القائلة أن “الحرب التجارية ستؤدي إلى تراجع معدلات النمو المستقبلية”. ولكن مع ظهور مؤشرات على انخفاض المعروض الإيراني بسبب العقوبات الأمريكية المرتقبة، فقد تحول التركيز مرة أخرى إلى هذا النقص الوشيك في مستويات العرض.
وبناء على ما سبق، فإننا نتوقع بأن يحافظ النفط الخام على نطاقه السعري بين 70 – 80 دولاراً أمريكياً للبرميل، مع وجود اتجاه تصاعدي يوفر مستويات مقاومة ضعيفة للغاية على المدى القصير. وشهد انخفاض مستويات العرض تراجعاً قوياً في النطاقات الزمنية للفروق السعرية كما يبين الشكل أدناه مع مقارنة للفارق السعري الذي دام 12 شهراً للعقود الآجلة بين شهري ديسمبر 2018 وديسمبر 2019. ومن المرجح لهذا التطور أن يفضي إلى اجتذاب معدلات جديدة من الطلب المتجدد من جانب صناديق التحوط طويلة الأجل، بينما يمكن للتهديدات الإيرانية بإيقاف إمدادات النفط عبر مضيق هرمز أن تزيد من المخاطر الجيوسياسية.
وبعد بلوغها رقماً قياسياً بلغ حوالي 1.1 مليار برميل نفط في شهر مارس الماضي، خفّضت صناديق التحوط إجمالي العقود الآجلة لخام برنت وخام غرب تكساس الوسيط بنسبة 40% لتبلغ أدنى مستوياتها خلال 11 شهراً. ومن المثير للاهتمام خلال هذه الفترة ملاحظة مدى محدودية عدد عقود البيع التي تحولت إلى فوائد مدينة. وحتى خلال الفترة بين شهري يوليو وأغسطس عندما انخفضت أسعار خام برنت بحوالي 10 دولارات أمريكية للبرميل، لم يطرأ تغيير كبير على إجمالي العقود قصيرة الأجل (التي يمثلها الخط البياني الأحمر في الشكل البياني الأيسر أعلاه)، والتي أغلقت على أدنى مستوى لها خلال الأعوام الخمسة الماضية.
ويبرهن ذلك على المنحى التصاعدي الذي حافظت عليه أسواق النفط بالرغم من التوقعات السلبية التي سادت خلال وقت سابق من العام الحالي. وتشير توقعاتنا على المدى القصير إلى إمكانية ارتفاع الأسعار، ولكن المخاوف المرتبطة بالطلب ستتصاعد مرة أخرى، ولا سيما إذا استمرت حالة الضعف الراهنة في الأسواق الناشئة والحرب التجارية بالمساهمة في تراجع توقعات النمو المستقبلية.
وبعد تراجعه إلى أكثر من 75 دولاراً أمريكياً للبرميل، فإن الهدف يتمثل في رفع عتبة المقاومة السعرية لخام برنت إلى نطاق يتراوح بين 78.50-80 دولار أمريكي للبرميل.
من ناحية ثانية، تواصل أسعار الذهب انتعاشها بعد أن بلغت أدنى مستوياتها خلال منتصف شهر أغسطس الماضي، حيث ارتفعت إلى أكثر من 1200 دولار أمريكي للأونصة. إلا أن هذا الانتعاش لم يكن قوياً بما يكفي للحيلولة دون تسجيل المعدن الأصفر خسائراً للشهر الخامس على التوالي. وجاء تراجع أسعار الذهب خلال هذا العام مدفوعاً بتنامي قوة الدولار الأمريكي، وارتفاع معدلات الفائدة الأمريكية على المدى القصير، وعدم ظهور أي مؤشرات حتى الآن حول إمكانية حدوث تضخم. ويضاف إلى ذلك كله انعدام التنوع في الطلب نتيجة للصعود المتواصل للأسهم الأمريكية.
وتتطلع الأسواق حالياً للعثور على مؤشرات حول إمكانية أن تبدأ صناديق التحوط بالتخلي عن مراكزها المالية قصيرة الأجل في عقود الذهب الآجلة في بورصة ’كومكس‘. وخلال فترة الأسابيع الستة المنتهية بتاريخ 21 أغسطس الماضي، سجّل صافي عقود الحبوب انخفاضاً بنسبة 79 ألف لوت، ما يمثل رقماً قياسياً يزيد بحوالي 3.3 ضعفاً عن رقمها القياسي السابق الذي سجلته في شهر ديسمبر 2015. وقد يفضي الانتعاش المستمر للذهب في نهاية المطاف إلى تسارع وتيرة ارتفاع أسعاره نتيجة لإجراءات صناديق التحوط. أما الآن، وكما كان الحال عليه خلال الشهرين الماضيين؛ سيبقى الدولار الأمريكي المصدر الرئيسي لتغير أسعار الذهب صعوداً كان أم هبوطاً.
وبينما يمر الذهب بمرحلة التعافي، فإننا نعتقد بأهمية التركيز على معدني الفضة والبلاتين. فقد شهدت أسعار الفضة انخفاضاً نسبياً بالمقارنة مع أسعار الذهب، وهو أمر لم نشهده إلا في مناسبات قليلة خلال العشرين عاماً الماضية. وخلال التداول الأخير، بلغت نسبة تداول الذهب إلى الفضة أكثر من 82 (أونصة من الفضة مقابل أونصة واحدة من الذهب) خلال شهر فبراير 2016. وأفضى تعافي الفضة إلى ارتفاع هذه النسبة مجدداً لتبلغ 66.
وبالمقابل، تراجعت أسعار البلاتين خلال الأسبوع الماضي إلى مستويات قياسية مقابل الذهب لتبلغ حوالي 415 دولار أمريكي للأونصة. وكان البلاتين قد شهد تراجعاً مستمراً أمام الذهب من 1200 دولار أمريكي للأونصة في عام 2008 إلى أن بلغ سعره الحالي. ولأن الاستخدام الرئيسي للبلاتين ينحصر في صناعة محركات الديزل، فقد ساهمت “فضيحة الديزل” التي خرجت للعلن قبل عدة سنوات في انخفاض معدلات الطلب على هذا المعدن. بينما نتج الضعف الذي شهدته أسعار البلاتين مؤخراً عن النزاعات التجارية الأخيرة والتي لم تؤدي إلى رفع تكاليف تصنيع الفولاذ والألمنيوم فحسب، وإنما ساهمت في نشوء أول تباطؤ في مبيعات السيارات الجديدة ضمن أضخم الأسواق العالمية في الصين والولايات المتحدة وأوروبا منذ الأزمة المالية العالمية.
واستقر الذهب خلال هذا الأسبوع عند أكثر من 1200 دولار أمريكي للأونصة، وذلك بعد إخفاقه الحفاظ على عتبة المقاومة الثانية التي بلغت 1,217 دولار أمريكي للأونصة. وفي حال نجاحه في كسر هذه العتبة السعرية، فمن المرجح أن يرتفع سعر الذهب ليبلغ 1,235 دولاراً أمريكياً للأونصة، وعندها فإننا سنشهد على الأرجح انحسار المراكز المالية قصيرة الأجل بمعدلات أكبر.